السيستاني.. «سيد البراني»
Table of Contents:
- السيستاني.. «سيد البراني»
- Page 2
لندن: في زقاق ضيق يتفرع عن «شارع الرسول»، يسمى بلهجة أهل مدينة النجف «العكِّد»، وبلهجة أهل بغداد الدارجة «دربونة»، يعيش في بيت نجفي تقليدي قديم، لا يبعد أكثر من 500 متر عن ضريح الإمام علي بن أبي طالب، المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني.
باب البيت وواجهته يشبهان واجهة أي بيت نجفي بسيط للغاية. وفي داخل البيت، تكتشف البساطة في أشد أوجهها. فهو لا يختلف في عمارته عن البيت العراقي، الذي يمتد طرازه العمراني إلى بيوت بابل، التي تعود إلى أكثر من خمسة آلاف عام. عندما تجتاز عتبة البيت، تجد نفسك في ممر يطلق عليه «المجاز»، وهي المساحة التي تفصل بين المدخل والغرف الداخلية للبيت، وتهيئ الغريب للمرور إلى الداخل. عند يسار المدخل هناك غرفة صغيرة وبسيطة، تستخدم كمكتب لآية الله علي السيستاني، يعمل فيها عادة مستشاروه الذين يقرأون ويراجعون الرسائل، التي يسأل أصحابها في الغالب عن أمور فقهية وفتاوى. وتعرض هذه الرسائل على السيد المرجع ليجيب عليها، وتختم بخاتمه لتكون نافذة.
أما الغرفة الكبيرة، التي تواجه باب البيت والمجاز، فهي مقر عائلة السيستاني. غرفة واسعة بعض الشيء، مفروشة بالسجاد البسيط. تخلو الغرفة هذه، التي يستقبل فيها السيستاني ضيوفه، من أي أريكة أو كرسي. ويمتد فوق السجاد فرش يتوزع عليه بعض الوسائد. يطلق على هذه الغرفة، وبلهجة أهالي النجف، تسمية «البراني». وتعني هذه الكلمة «خارج البيت»، مع أنها ضمن مساحته. والبراني مستلة من مفردة «برة» أي الخارج، بينما تسمى هذه الغرفة في مناطق مختلفة من العراق بـ«الديوانية»، مأخوذة عن الديوان.
ولكل مرجع من مراجع الشيعة الأربعة في النجف (السيستاني والشيخ اسحق الفياض، والسيد محمد سعيد الحكيم، والشيخ بشير النجفي)، براني خاصة بكل منهم في منزله، يستقبل فيها ضيوفه ومقلديه وتلامذته. وعادة تقع البراني داخل البيت، وتكون منفصلة عن أجزاء المنزل العائلية والاجتماعية، باستثناء المرجع الأعلى الراحل أبو القاسم الخوئي، الذي كانت برانيته خارج البيت، حيث كان يلقي دروسه على تلامذته في مسجد الخضراء الملاصق لسور صحن الإمام علي.
في «البراني» يجلس السيستاني ساعات معلومة. مدة بقائه في هذه الغرفة تعتمد على صحته ونشاطه اليومي. خلال هذه الساعات التي تقسم ما بين الصباح والمساء، يستقبل المرجع ضيوفه الذين يأتون إليه من كل حدب وصوب، سواء للسلام عليه أو لاستشارته أو للحصول على معلومة فقهية أو فتوى.
في هذا البراني يتساوى الجميع، وتتجسد القيم الإسلامية الاجتماعية الحقة، إذ ليس هناك فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين وزير وعامل بسيط. الكل يجلس على الفراش نفسه، وتحت السقف نفسه، وعلى المسافة نفسها من موقع آية المرجع. ذلك أن بيت المرجع مفتوح أمام الجميع، وليس من حق حارس البيت أو المرجع أن يمنع أي زائر. وبمجرد أن تطرق الباب ويسألك الحارس، أو المتطوعين في خدمة المرجع عما تريد، تجيبهم بأنك تريد السلام أو تحية المرجع، فيفتح الباب أمامك واسعا من غير أي استفسار أكثر، لا عن اسمك ولا عن مذهبك ولا عن ميولك السياسية. ويكون الشاي ووجبات الطعام جاهزة خاصة للزوار القادمين من مدن بعيدة. وعندما تصل إلى مدينة النجف لزيارة ضريح الإمام علي، ومن ثم تسأل عن بيت السيد السيستاني، فسوف تجد أكثر من شخص ليقودك إلى موقع البيت.
لم يتجاوز السيستاني عتبة هذا البيت منذ عشر سنوات، إلا مرتين. الأولى في أبريل (نيسان) 2003، عندما دخلت القوات الأميركية إلى العراق، واستقر قسم منها عند حدود مدينة النجف. عندما طلب إليه نجله محمد رضا، بنصيحة بقية العلماء، أن يترك بيته بصورة مؤقتة خوفا على حياته من جهة، وكي لا يتعرض لضغوط سياسية من جهة أخرى. وفي المرة الثانية التي ترك فيها بيته، كانت في أغسطس (آب) 2004، عندما اضطر للسفر إلى لندن لإجراء الفحوص الطبية والعلاج. غير أن هذه المرة لم تكن الأولى التي يترك فيها السيستاني مدينة النجف، إذ كان قد غادرها في عام 1961، عندما عزم على السفر إلي موطنه مشهد، وكان يحتمل استقراره هناك. النجف، مثلما هو معروف عنها كأكبر وأبرز حوزة، تشكل أمنية في ذهن أي رجل دين شيعي وطالب علم وفقيه، لأن يزورها ويتزود من علومها على أيدي علمائها. وهذه المدرسة الدينية تجسد الحديث: «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى». لهذا ترى أن ما يميز علماءها، هو درجتهم الفقهية والعلمية، وليس جنسيات البلدان التي ينحدرون منها. فالسيستاني إيراني، والشيخ الفياض أصله أفغاني، والشيخ النجفي من أصول باكستانية، باستثناء الحكيم الذي هو عراقي، وإن كان أجداده قد أقاموا في إيران منذ العهد الصفوي.
وفي توجه علماء الدين الشيعة، لا بد من الدراسة في حوزة النجف والنهل من علمها والتلمذة على أيدي أساتذتها وفقهائها وعلمائها، حتى وإن كان قد درس في حوزات أخرى في إيران أو غيرها. وضمن هذا التوجه كان السيد علي السيستاني قد وصل إلى عاصمة العلم، النجف، في عام 1951 مهاجرا إليها من مدينة قم في إيران. فسكن مدرسة البخارائي العلمية، وحضر بحوث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، والعلامة الشيخ حسين الحلي في الفقه والأصول ولازمها مدة طويلة. وحضر خلال ذلك أيضا بحوث بعض الأعلام الآخرين منهم الإمام الحكيم والسيد الشاهرودي.
قد يختلف السيستاني عن الكثير من معاصريه، إذ وصل إلى النجف وهو مجتهد وليس طالب علوم دينية في مراحله الابتدائية، أو كما يطلق عليه في عناوين الحوزة العلمية، طالب في المقدمات. وعلي السيستاني الذي ولد في مشهد، شرق إيران، حيث مرقد الإمام الرضا، في 4 أغسطس (آب) 1930، نشأ أصلا في أسرة علمية دينية ملتزمة، وتربى وسط عائلة جل أفرادها من رجال الدين. والده هو السيد محمد باقر، وجده الأدنى هو العالم السيد علي، الذي ترجم له العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة.




